الأربعاء، 22 أغسطس 2012




الجانب المظلم من مصباح النور صديق البيئة
يقتصد في الطاقة ويبذر في المواد المضرة


المصباح صديق البيئة
إديسون مع مصباحه التقليدي

بلغ عمر المصباح الكهربائي المتوهج، الذي يسمى مصباح إديسون، 133 سنة، ويوصف بأنه الاختراع الذي أخرج البشرية من الظلمات. لكنه صار على هذا الاختراع العظيم، رغم خدماته الجليلة للبشرية، أن يتخلى عن موقعه التاريخي إلى المصباح الاقتصادي والبيئي الجديد.
في الأول من سبتمبر (أيلول) المقبل يدخل حيز التطبيق قرار الحكومة الألمانية، وقرار العديد من حكومات الاتحاد الأوروبي، التوقف عن إنتاج مصباح إديسون. وهذا سيفسح المجال، بالتدريج، أمام سيادة المصابيح الجديدة التي تتوهج أحسن، وتصرف الطاقة بشكل يقل كثيرا عن المصباح التقليدي. ولكن هل يليق هذا المصباح الجديد بألقابه العديدة الممتدة بين المصباح الاقتصادي، والمصباح البيئي، ومصباح المستقبل، أم أنه بحاجة إلى سنوات طويلة أخرى من التحسين كي يصبح لائقا فعلا بلقبه؟
فكرة إنتاج مصدر ضوئي كهربائي دائم وسهل، واتت رأس توماس إديسون حينما افتقد الطبيب يوما إلى مصدر نور يجري، على ضوئه، جراحة طارئة لوالدة المخترع الأميركي. وبمناسبة الإعلان الرسمي عن وفاة ملك الإضاءة التقليدي، وهتاف «يحيا ملك الإضاءة البيئي الجديد»، أخضع العلماء الألمان الملك الجديد إلى عملية جراحية جديدة تستهدف كشف الجانب المظلم من حياته المضيئة.
برنامج «زووم»، الذي تبثه القناة الثانية في التلفزيون الألماني (زدف)، عرض تقريرا للعلماء البيئيين يثبت أن ملك الإضاءة الجديد يقتصد في الطاقة فعلا، لكنه مشحون بالعديد من المواد الضارة بصحة الإنسان وبالبيئة. كان مصباح إديسون المطور (التقليدي) ينير بفضل اشتعال مادة معدنية (رصاص معامل مثلا) فيه، لكن المصباح الاقتصادي يحتوي على الزئبق، وهي مادة ضارة بالصحة والبيئة، وسبق للاتحاد الأوروبي عام 2009 أن منع استخدامها في المحارير (الثيرمومترات) وفي أجهزة قياس الضغط الجوي (البارومترات) وفي أجهزة قياس ضغط الدم. لكن الفحوصات المختبرية الجديدة تثبت أن المصباح «البيئي» يطلق غاز ثاني أكسيد الكربون يقل عما يطلقه المصباح التقليدي، لكنه لا يمنع انبعاث الغاز تماما. ولا شك أن الاتحاد الأوروبي يهتم كثيرا بقضية تقليص انبعاث الغاز المذكور ومحاربة ظاهرة الاحتباس الحراري.
البرنامج انتقد القرار الأوروبي، الذي صدر قبل الدراسات العلمية الجادة حول بيئية المصباح البيئي، لكنه يشير بأصبع الاتهام إلى شركات إنتاج المصابيح الجديدة التي تحاول الهيمنة على سوق المصابيح الجديدة قبل التأكد من بيئيتها. انتقد البرنامج أيضا عدم اهتمام القرار الأوروبي بقضية التخلص، بشكل بيئي، من المصباح القديم، وعدم تناوله قضية تدوير المصابيح الجديدة بعد انقضاء عمرها.
أحد المساهمين في الفحوصات قال إنه يؤيد حظر الزئبق أو تقليل استخدامه في الصناعة إلى الصفر، ووجود الزئبق بكمية ضئيلة في المصباح الجديد لا يكفي لتبرئته من التهم.. فالمصباح البيئي يحتوي على 2 مغم من الزئبق، ويطلق (في بداية استعماله) 7.8 كغم من غاز ثاني أكسيد الكربون في السنة (42.4 كغم في المصباح التقليدي). ويرتفع انبعاث ثاني أكسيد الكربون من المصباح البيئي إلى 71.2 كغم بعد عمله لأكثر من 10 آلاف ساعة (أي نحو سنة). وأفاد المهندس غاري تزورنر بأن هناك أيضا مبالغة في القوة الفعلية للمصابيح الجديدة، مع مبالغة أخرى في طول عمر خدمتها. فمن الواضح أن الكثير من المصابيح الجديدة لا تشع بقوة 11 واط (تعادل 60 واط من المصباح التقليدي)، كما هو مكتوب عليها. وقال إنه كان عليه أن يتعامل بحذر مع ما هو مكتوب على بعض المصابيح الجديدة من أن فترة عملها تزيد على 15 ألف ساعة.
ويبدو أن القضية لا تتعلق فقط بالزئبق وبغاز ثاني أكسيد الكربون والمواد الضارة الأخرى المنبعثة من المصباح الجديد، لأن هناك شكوكا حول عدالة إنتاجه أيضا. وتطرق البرنامج إلى شركة كبيرة لإنتاج المصابيح الاقتصادية تنتج مصابيحها في الصين وفق شروط عمل لا يمكن وصفها بالعادلة أو الإنسانية. واستشهد البرنامج بدراسة للباحث البيئي فولفغانغ ميز تتحدث عن وجود آثار لمادة الفينول، المسببة للسرطان، دخلت في صناعة المصابيح الاقتصادية.
جدير بالذكر أن المعهد الألماني لفحص المواد أخضع 27 مصباحا اقتصاديا لفحوصاته عام 2006.. فكان عمر 2 منها 4500 ساعة، و18 أخرى أكثر من 10 آلاف ساعة، و7 فقط أضاءت أكثر من 19 ألف ساعة، أي أكثر من سنتين. كما فحصت مجلة «إيكو تيست» الألمانية 16 نوعا منها عام 2008، فمنحت 6 منها فقط درجة جيد جدا، و6 أخرى درجة جيد، في حين نالت البقية درجة ضعيف. وانصب الاهتمام على طول عمر المصابيح وبيئيتها واقتصادها بالطاقة. وعموما فقد أوضحت الولايات المتحدة أن مصباحا اقتصاديا من فئة 11 واط يستهلك في لوس أنجليس مبلغ 8 دولارات في السنة.
باختصار، فإن المصابيح الاقتصادية الجديدة أغلى بكثير من المصابيح التقليدية، وهو ما يشجع محتكري «الإضاءة» على ترويجها على أوسع ما يكون، وبأسرع وقت ممكن. كما أنها ما زالت بحاجة إلى تطوير وتحديث يجعلها جديرة فعلا بلقبها وسعرها.



ليست هناك تعليقات: