الأربعاء، 22 أغسطس 2012




فرص الاستثمار المتوافق مع البيئة في بريطانيا



شهد الصيف الحالي مجموعة من الأحداث المهمة في بريطانيا، ولعل أبرزها احتفال الملكة إليزابيث باليوبيل الماسي لجلوسها على العرش، ودورة الألعاب الأوليمبية، كما تتجه أنظار العالم صوب العاصمة البريطانية لندن الأسبوع المقبل لمتابعة دورة الألعاب الأوليمبية للمعاقين التي نفدت جميع تذاكر حضور فعالياتها. وتعد هذه نجاحات استثنائية في واقع الأمر. وكما أشرت منذ أسبوعين فإن هذه الأحداث تعد أمثلة بارزة على الإبداع والابتكار الذي يمثل جزءا هاما للغاية من ماضي بريطانيا ومستقبلها على حد سواء، كما يمثل جزءا من البرنامج البريطاني الحالي للتحول والتجديد.
وبالتوازي مع دورة الألعاب الأولمبية ودورة الألعاب الأولمبية للمعاقين، ينطلق معرض جديد يلقي الضوء على أفضل السبل الحديثة للتصنيع في بريطانيا تحت عنوان «صنع في بريطانيا العظمى» تستمر فعالياته في متحف العلوم البريطاني حتى التاسع من سبتمبر (أيلول) 2012.
ولطالما كانت بريطانيا رائدة في ابتكار وسائل البناء والبنية التحتية الصديقة للبيئة والمستدامة. ويعد المجلس البريطاني للبنايات صديقة البيئة واحدا من بين المنظمات البريطانية التي تعمل على تغيير شكل السوق، ونحن نلعب دورا نشطا في توفير التعليم والتدريب الابتكاري لقطاعي البناء والعقارات. وقد عقد المجلس مجموعة من المحاضرات لطلبة الماجستير ركزت على الدروس المستفادة من مشروع الإنشاءات في لندن عام 2012، بعدما تم اختيار المجلس كأحد الشركاء في مشروع الإرث المعرفي التابع لهيئة تسليم المنشآت الأولمبية البريطانية (Olympic Delivery Authority). وعلاوة على البنية التحتية، تعد بريطانيا رائدة في مجال العمل على تقليل الانبعاثات الكربونية وإنشاء مبان صديقة للبيئة.
ومن جهتها، ترسل منظمة «بريتش اكسبرتيز»، وهي هيئة بريطانية رائدة تضم الشركات البريطانية التي تقدم خدمات مهنية على المستوى الدولي، بعثات بشكل منتظم للترويج لتشييد المباني الخضراء، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط. ويشغل زميلي جيف ماينارد منصب رئيس لجنة العمليات بمنظمة «غرينر باي ديساين» التي تضم خبراء من كل التخصصات في صناعة الطيران. وبالإضافة إلى ذلك، تعمل بريطانيا بشكل فعال للغاية للتوصل لطرق مبتكرة لخفض الانبعاثات الكربونية.
وتعد بريطانيا واحدة من دول العالم الأكثر انفتاحا، كما تعمل بنشاط على تشجيع الاستثمار من بقية أنحاء العالم. وسيعمل الاستثمار في الشركات البريطانية ذات التكنولوجيا العالية على اكتساب المعرفة التي يمكن أن تساعد على تنويع الاقتصادات بسرعة في منطقة الشرق الأوسط.
وثمة قطاع آخر يتمتع بجاذبية كبيرة، وهو قطاع طاقة الرياح الذي ينمو بنسبة تصل إلى 20 في المائة سنويا، ونجح في توليد طاقة في جميع أنحاء العالم تصل إلى 238.000 ميغاواط بنهاية عام 2011. وتقدم بريطانيا العظمى فرصا للمشاركة في مصادر الطاقة المتجددة من خلال الفرص الاستثمارية في منطقة الشرق الأوسط، مع تشجيع الناس أيضا على أن يعيشوا حياة تكون ملائمة للبيئة بصورة أكبر.
وخلال الأسبوع الماضي، أعلنت شركة «ميونيخ ري»، وهي أكبر شركة لإعادة التأمين في العالم، أنها استحوذت على ثلاث مزارع لتوليد الطاقة من الرياح في بريطانيا كجزء من استثمارات الشركة في قطاع الطاقة المتجددة التي تصل قيمتها إلى 2.5 مليار يورو (3 مليارات دولار). وتولد هذه المزارع الثلاث طاقة إجمالية قدرها 102 ميغاواط، باستثمارات تصل إلى 300 مليون يورو.
وضخت الشركة بالفعل 600 مليون يورو في مصادر الطاقة المتجددة في أوروبا منذ عام 2011. وذكرت صحيفة «هاندلسبلات» الاقتصادية في عددها الصادر يوم الاثنين من الأسبوع الماضي، أن هناك محادثات بين شركة «ميونيخ ري» وشركة «اليانز» العملاقة للتأمين بشأن الاستثمار في مزارع لتوليد الرياح في بحر الشمال.
وستلعب تكنولوجيات الطاقة المتجددة، مثل الهضم اللاهوائي والكتلة الحيوية التي لم تصل إلى مرحلة النضوج في المملكة المتحدة بعد، دورا محوريا في إنشاء شركات جديدة وإنتاج منتجات جديدة، وهو ما من شأنه أن يوفر فرصا كبيرة للاستثمار في مجالات البحث والتطوير.
ويلعب الابتكار والإبداع دورا كبيرا في نهضة التصنيع في بريطانيا العظمى، حيث يتخذ عدد من الشركات العالمية من بريطانيا مقرا لمراكز أبحاثها في التنمية، فعلى سبيل المثال يعد قسم هندسة الطيران والسيارات بجامعة لوبورو أحد الأقسام القليلة التي تجمع بين الإثارة والتحدي في هندسة الطيران والسيارات على حد سواء.
وحتى تتمكن من تحقيق نجاح عالمي، تقوم شركة «جاكوار لاند روفر» للسيارات بالاستثمار في بريطانيا، وستعمل في المستقبل على توسيع نطاق منتجاتها والوصول إلى عملاء جدد في السوق العالمية. وخلال الأسبوع الماضي، قامت الشركة بتوظيف عاملين جدد، وسوف يتلقون تدريبا لمدة عام. ويعد الاستثمار في المهارات والتدريب أمرا حيويا لشركة «جاكوار لاند روفر» للمساعدة في تطوير قاعدة المهارات في بريطانيا بصورة عامة. وتعد شركة «جاكوار لاند روفر» المحور الرئيسي للحملة التي تتبناها صناعة السيارات في بريطانيا والتي تهدف لتقديم الابتكار التقني في جميع مجالات تطوير السيارات.
وثمة أنشطة رئيسية أخرى في صناعة السيارات في بريطانيا، فعلى سبيل المثال يتم تصميم السيارة «نيسان كاشكاي» في لندن ويتم تطويرها في مختبرات الهندسة في كرانفيلد وتصنيعها في سندرلاند، وهو ما يعني أن هناك حالة من الابتكار البريطاني في تلك السيارة. وفي أواخر العام الماضي، أعلنت شركة «نيسان» أنها ستواصل التزامها بتعزيز الاقتصاد البريطاني، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال شركات التوريد البريطانية.
وثمة فرص أخرى للاستثمار في مجال البنية التحتية للسكك الحديدية هنا في بريطانيا التي شهدت ميلاد السكك الحديدية في العالم بأسره. وقد خلفت لنا الشركات الرائدة في مجال السكك الحديدية في عصر الملكة فيكتوريا تركة مثيرة للإعجاب تتجلى بوضوح في قوة قطاع النقل في بريطانيا. ونتيجة لتفوقنا في الثورة الأولى للسكك الحديدية، ازدهرت الصناعات لدينا وتضاعفت صادراتنا ونما اقتصادنا بصورة كبيرة. واليوم، أصبحت السكك الحديدية مهمة لرفاهية بريطانيا في الحاضر والمستقبل بنفس الأهمية التي كانت عليها لنجاحنا في الماضي.
وقد قررت الحكومة البريطانية إنشاء شبكة سكك حديدية وطنية عالية السرعة، ليكون أهم مشروع للبينة التحتية في مجال النقل منذ نظام الطريق السريع. وفي الحقيقة، كان إعلان الحكومة عن منح ضمانات لمشاريع البنية التحتية بمثابة خطوة جريئة تهدف إلى إعادة إحياء صناعة البناء والتشييد والاقتصاد بصفة عامة، وتمثل نقطة تحول واضحة من مجرد الخطابات الحكومية بشأن البنية التحتية خلال الأشهر القليلة الماضية إلى أفعال على أرض الواقع. وفي الحقيقة، تخطى النطاق المحتمل للتدخل الحكومي ما كانت تتوقعه هذه الصناعة.
ومر تمويل البنية التحتية على مستوى العالم بمرحلة صعبة لبعض الوقت، ولذا قررت الحكومة التدخل للبدء في مشاريع لتطوير البنية التحتية وتحريك قطاع البناء والإنشاءات البريطاني الذي يعمل به نحو ثلاثة ملايين شخص في جميع شركات التوريدات الضخمة، فضلا عن تأثيره القوي للغاية على الاقتصاد البريطاني برمته. ويرى الاقتصاديون أن كل جنيه إسترليني واحد يتم إنفاقه في قطاع الإنشاءات ينتج نحو ثلاثة جنيهات في النشاط الاقتصادي. ويتمتع الاستثمار في مجال البنية التحتية بوجود بعض الخصائص الجذابة للغاية، مثل الحماية من التضخم على المدى الطويل. وكما أشرت سابقا فإن بريطانيا تأتي في طليعة الدول التي تعمل على تشييد المباني الخضراء والمستدامة. وتدرك الحكومة البريطانية أنه لا يمكن تجاهل الطلب المتزايد على البنية التحتية الجديدة والمحسنة لفترة أطول من ذلك، ولا سيما أن بريطانيا تعد رابع أسرع البلدان الأوروبية نموا في السكان.
وأصبحت بريطانيا قادرة على ضخ استثمارات كبيرة نتيجة الإجراءات التي اتخذتها بعناية كبيرة لسد العجز في الموازنة. وبينما باتت اليونان بالقرب من صدارة الدول المثقلة بالديون، وفي ظل زيادة ديون البرتغال وآيرلندا خلال السنوات القليلة الماضية، فإن نسبة الدين المرتفع نسبيا إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا لا يمثل مشكلة طالما أن المؤسسات التي تقترض منها بريطانيا تؤمن بأنها قادرة على سداد الدين. وتوضح عائدات السندات السيادية الوضع الذي تمر به بريطانيا حاليا.
ومع وضع هذه الحقيقة في الاعتبار، أتاحت الحكومة المزيد من الأراضي للبناء، كما تضخ استثمارات كبيرة في بناء المنازل منخفضة التكلفة. وقال وزير الإسكان البريطاني غرانت شابز إن خططه سوف «تجعل بريطانيا قادرة على البناء مرة أخرى. وهذا هو السبب الذي جعلني أعلن عن خطط لإتاحة آلاف الأفدنة من الأراضي العامة لبناء المنازل. وعلى الرغم من الحاجة لمعالجة العجز الذي ورثناه، فإن الحكومة الحالية تضخ 4.5 مليار جنيه إسترليني للبدء في برنامج لإقامة منازل بأسعار معقولة سيعمل على بناء ما يصل إلى 170.000 وحدة سكنية جديدة خلال السنوات الأربع المقبلة».
ونظرا لكل هذه الظروف والجهود المبذولة في منطقة الشرق الأوسط لتنويع الاستثمارات الجديدة والمستدامة، فإن الوقت يبدو مناسبا للاستثمار في بريطانيا. هذا هو الحال في حالة الاستثمارات التجارية البسيطة، وتطوير الإمكانيات الصناعية القائمة على المعرفة أيضا. في الحقيقة، يمكن الاستفادة من فرص الاستثمار الصديق للبيئة في بريطانيا والاستفادة منها في بلدان أخرى أيضا.
* جون ديفي: أستاذ زائر في كلية إدارة الأعمال بجامعة لندن متروبوليتان ورئيس مجلس إدارة شركة «ألترا كابيتال»




ليست هناك تعليقات: